
الخطة "ب" لإخضاع قسد.. هل حمت العشائر
#سوريا من التقسيم؟

أثار الانهيار السريع لقوات "قسد" أمام الجيش السوري ومقاتلي العشائر العربية منذ فجر الأحد تساؤلات كبيرة حول أسباب هذا الانهيار المفاجئ، وكذلك هوية تلك العشائر التي أدت انتفاضتها إلى طرد مقاتلي التنظيم من مساحات واسعة ومواقع استراتيجية تسيطر عليها منذ سنوات شملت أكبر حقول للنفط والغاز في سوريا ومطارا عسكريا استراتيجيا.

ويرى مراقبون أن ما وصفوه بانتفاضة العشائر كان لها عامل ا
لحسم في سرعة التقدم، حيث إن الانتفاضة هذه المرة كانت مختلفة عن المرات السابقة، إذ دارت خلال المواجهات السابقة اشتباكات بقيت محدودة مع مقاتلي قسد، ولم تتجاوز مدتها بضعة أيام قبل أن تعود الأمور إلى طبيعتها، إما بعد اتفاقات ثنائية بين الطرفين، وإما بعد وساطة من أمريكا، الطرف الداعم لقسد سياسيا وعسكريا خلال السنوات الماضية.

العشائر العربية حرصت في هذه المرة على عدم إعلان "الانتفاضة" والعمل العسكري لطرد قسد بشكل فردي وباسم قبيلة بعينها، وإنما كانت معظم البيانات باسم تجمع للعشائر سواء في محافظة الرقة أو دير الزور وصولا إلى مدينة البوكمال على أقصى الحدود السورية مع العراق.

ويقول الخبير العسكري وليد العيسى إن خطابات العشائر ودعوتها خلال اليومين الماضيين لبعض أبنائها للانشقاق عن قسد، جاءت متسقة مع خطاب الحكومة السورية ودعوتها التنظيم للامتثال لاتفاق 10 مارس/آذار 2025 الموقع بين الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد قسد مظلوم عبدي، الذي يتضمن اندماج قسد في الدولة السورية بموعد أقصاه نهاية العام الماضي، وكذلك تسليم المطارات وحقول النفط والغاز والمنافذ الحدودية الدولية التي يسيطر عليها التنظيم، وهو ما لم يتم بشكل سلمي.

ويضيف العيسى وهو من أبناء محافظة دير الزور ذات الطابع العشائري بالمجمل، أن تمنّع قسد عن الوفاء بالتزاماتها رغم المهل العديدة التي منحتها دمشق لها، وكذلك المعارك التي دارت في حيي الأشرفية والشيخ مقصود بمدينة حلب قبل أسبوعين وأدت في نهايتها إلى طرد التنظيم من الحيين المذكورين، هو ما دفع الجيش السوري لاستكمال عمليته العسكرية ضد جيوب التنظيم بالتوجه لمدينة دير حافر شرق حلب قبل أن يوسع سيطرته على مناطق غرب نهر الفرات ليطرق أبواب محافظة الرقة.

وأشار الخبير العسكري للجزيرة نت إلى أن العشائر العربية استكملت بدورها جزءا كبيرا من المهمة باتجاه مدينة الرقة، وكذلك في ريف محافظة دير الزور المجاورة التي كان للعشائر الدور الأبرز في طرد التنظيم من مناطق واسعة فيها، خاصة أن قسد لا تملك أي قاعدة شعبية في تلك المناطق، على عكس تلك العشائر التي تملك الأرض والقاعدة الشعبية العريضة.

ولفت العيسى إلى أن العشائر العربية حرصت على إظهار روح الوحدة والتكاتف خلال العمليات والمواجهة مع قوات قسد، وعدم محاولة كل عشيرة تصوير التقدم والزحف العسكري على أنه نصر لها ولأبنائها فقط، وإنما أكدت حرصها على وحدة سوريا.

وأضاف الخبير أن العشائر العربية ضاقت ذرعا خلال السنوات الماضية بانتهاكات وظلم قسد لأبنائها، وسيطرتها على الموارد النفطية في أراضيها واستثمارها لصالحه، ومن هنا، جاءت انتفاضة العشائر في محافظتي الرقة ودير الزور، وهما بغالبية عربية ساحقة، ضد تنظيم قسد الذي تقوده شخصيات من المكون الكردي، معظمها من خارج البلاد ولا يحظى التنظيم بقاعدة شعبية فيهما، رغم سيطرته على غالبية مساحتيهما والموارد فيهما، مُسندا بدعم الولايات المتحدة للتنظيم في الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية بعد عام 2014.

وكان التحالف الدولي لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية بقيادة الولايات المتحدة قد أشرف على إنشاء وتسليح ما يسمى "بقوات سوريا الديمقراطية" (قسد اختصارا)، وأشرفت هي كذلك على تجنيد عناصر تابعة لعشائر عربية في الريف الشرقي من محافظة دير الزور.

وتسكن دير الزور وما حولها قبائل عربية، وتتوزع في مناطق مختلفة منها، ويعود تاريخها هناك إلى عصور قديمة، وهاجرت من اليمن وشبه الجزيرة العربية وانتشرت في العراق وسوريا حول نهر الفرات، وفق المصادر التاريخية. وكان لهذه القبائل دور سياسي كبير في المنطقة نتيجة حضورها وامتدادها الكبيرين فيها. ومن أهم هذه العشائر العقيدات والبكارة وشمر وطيّئ (طي).

وتعدّ قبيلة العقيدات أو (العكيدات) من أكبر وأهم القبائل في منطقة شرق نهر الفرات، وهي الكبرى في محافظة دير الزور، وتنتشر على ضفتي نهر الفرات وصولا إلى البوكمال على الحدود العراقية شرقا، ومن البصيرة حتى مركدة على ضفتي نهر الخابور باتجاه محافظة الحسكة.

وتتفرع القبيلة إلى 3 فروع هي بو جامل "كامل" وبو جمال "كمال" والزامل "شعيطات"، وتربطها ببعض القبائل علاقات قرابة مثل قبائل البوليل والبوحردان.

وأدّت القبيلة التي لها امتدادات خارج حدود سوريا أيضا، خلال الثورة السورية ضد النظام المخلوع أدوارا عسكرية وسياسية مختلفة، وشكلت مجموعة كبيرة من الفصائل، انضم كثير منها إلى "الجيش السوري الحر"، وقد قتل كثير من أبنائها لاحقا في مذابح بأيدي تنظيم الدولة الإسلامية.

ومن عشائر العقيدات عشيرة البوسرايا، وتنتشر على الجانب الأيمن لنهر الفرات بين مدينة دير الزور وبلدة التبني، وفي بلدات وقرى شرقي مدينة دير الزور، مثل قرية بقرص التي تبعد 10 كيلومترات غرب الميادين و30 كيلومترا جنوب شرق مدينة دير الزور، وقد استقر قسم كبير من العشيرة في محافظة الرقة، حيث مركز المدينة وحي الخربة.

وكذلك، للبقارة (أو البكارة) حضور قوي في المناطق التي كانت خاضعة لسيطرة قسد، وهي عشيرة عربية معروفة تنتشر في معظم أنحاء سوريا، وتعتبر منطقة دير الزور مركز ثقلها، وتنقسم إلى قسمين أساسيين: بقارة الزور وتقطن على ضفاف الفرات من الجهة الشرقية، وبقارة الجبل وتسكن جبل عبد العزيز في محافظة الحسكة، وللقبيلة انتشار في مناطق رأس العين وتل أبيض وتل تمر والحسكة وهي مناطق لا يزال بعضها تحت سيطرة قسد.

وكما فعلت معظم القبائل، أيّد قسم من أبناء القبيلة الثورة ضد النظام المخلوع، ووقف قسم آخر منهم إلى جانب النظام، فيما انضوى قسم ثالث تحت سلطة الحركات المسلحة الكردية التي تمثلها قسد، قبل أن ينشقّ الكثير منهم وينضموا لقوات العشائر والجيش السوري ضد التنظيم.

وبالإضافة إلى قبيلتي العقيدات والبكارة اللتين يذهب بعض المؤرخين إلى أن عدد أفرادهما يتجاوز المليون شخص داخل سوريا وامتداداتها التي تصل إلى العراق وبعض المناطق بشبه الجزيرة العربية، فإن هنالك قبائل وعشائر أخرى تقطن منطقة الجزيرة السورية الشاسعة بأعداد متفاوتة، ويصعب حصرها بسبب تشعبها وتداخلها، مثل قبائل شمّر وعنزة وطي والمَشاهدة والمَجاودة والجبور والمعامرة والنعيم والعجيل والخرشان وغيرها.

ومساء اليوم الأحد، وبعد تداعي قوات قسد أمام مقاتلي العشائر والجيش السوري خلال ساعات، وجه الرئيس السوري أحمد الشرع رسالة للعشائر دعاهم فيها للالتزام بالهدوء وفتح المجال لتطبيق بنود اتفاق وقف إطلاق النار واندماج قسد الكامل في الجيش.

ونص الاتفاق الجديد مع قسد الذي وقعه الشرع، على تسليم جميع حقول النفط في البلاد للحكومة السورية، وانسحاب قوات قسد إلى منطقة شرق الفرات كخطوة تمهيدية لإعادة الانتشار، وتسليم محافظتي دير الزور والرقة إداريا وعسكريا للحكومة فورا، وكذلك نص الاتفاق مع قسد على دمج كل المؤسسات المدنية في الحسكة ضمن مؤسسات الدولة السورية وتسلم الحكومة كل المعابر الحدودية وحقول النفط في الحسكة.

وإضافة لبنود أخرى، شمل الاتفاق أيضا دمج كل العناصر العسكرية والأمنية لقسد ضمن هيكلية وزارتي الدفاع والداخلية السوريتين بشكل "فردي"، كما تلتزم قيادة قسد بعدم ضم فلول النظام السابق إلى صفوفها وتسليم قوائم بضباط فلول النظام الموجودين ضمن مناطق شمال شرق سوريا.

وصرح الرئيس السوري بأنه كان على موعد مع قائد قوات قسد مظلوم عبدي، اليوم، لكنه "تأخر للغد بسبب سوء الأحوال الجوية".

ومنذ 6 يناير الجاري تسارعت الأحداث بين الحكومة السورية وقسد لينتج عنها تغير كبير في خريطة السيطرة شمال وشمال شرق سوريا وفق التسلسل الزمني التالي:

6 يناير: اندلعت اشتباكات مباشرة داخل مدينة حلب، بعد قصف مدفعي نفذته "قسد" على أحياء سكنية وقال الجيش السوري إنه رد على مصادر النيران

7 يناير: أعلن الجيش السوري أحياء الشيخ مقصود والأشرفية وبني زيد "مناطق عسكرية"، وبدأ عملية اقتحام واسعة مدعومة بالقصف المدفعي

8 يناير: تصاعدت حدّة الاشتباكات، وتمكن الجيش السوري من السيطرة على معظم حي الأشرفية وعلى أجزاء واسعة من حي الشيخ مقصود

9 يناير: التوصل إلى تفاهمات ميدانية لوقف إطلاق النار وتأمين خروج المدنيين والمقاتلين، وانسحاب مقاتلي "قسد" بأسلحتهم شرق الفرات

10 يناير: دخل الجيش السوري الأجزاء المتبقية من حي الشيخ مقصود وبدأت عمليات نقل مئات المقاتلين عبر الحافلات باتجاه مناطق سيطرة "قسد" شرق نهر الفرات وأعلنت مدينة حلب خالية من قسد

16 يناير: قال الجيش السوري إن مدينة حلب تعرضت لقصف من منطقة دير حافر وقطعت قسد المياه عن المدينة، ثم أعلن مناطق غرب الفرات (مسكنة ودير حافر) "مناطق عسكرية مغلقة" تحسّبًا لأي تحركات مضادة وقبل انتهاء اليوم أعلن الجيش السوري دخوله رسميًا إلى مناطق دير حافر، ومسكنة، ومطار الجراح العسكري في ريف حلب الشرقي

17 يناير: تمكن الجيش من بسط سيطرته على كامل الضفة الغربية لنهر الفرات، إضافة إلى عدد من الحقول النفطية شرق النهر في دير الزور والحسكة وهي حقل العمر وحقل التنك والجفرة معمل غاز كونيكو

18 يناير: الجيش السوري يسيطر على سد الفرات ومدينة الطبقة وكامل محافظة دير الزور
العشائر السورية تسيطر على 13 قرية وبلدة في ريف الحسكة الجنوبي

الجيش يسيطر على أجزاء واسعة من مدينة الرقة لأول مرة منذ 12 عاما

الرئيس أحمد الشرع أعلن في مؤتمر صحفي، توقيع اتفاقية اندماج قسد مع الحكومة السورية ووقف إطلاق النار، مؤكداً أن كل الملفات العالقة مع قسد سيتم حلها.
تعليقات
إرسال تعليق